وهبة الزحيلي
248
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ويستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد وأبو محمد بن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال : « لما نزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ شق ذلك على أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فنزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، ثلث أهل الجنة ، بل أنتم نصف أهل الجنة ، أو شطر أهل الجنة ، وتقاسمونهم النصف الثاني » . أما أصحاب اليمين كما يأتي وهم أهل الجنة ، فإنهم كثيرون من هذه الأمة ، لأنهم كل من آمن باللّه ورسوله وعمل صالحا ، فإنهم ثلة من الأولين ، وثلة من الآخرين ، فلا يمتنع أن يكون في أصحاب اليمين من هذه الأمة من هو أكثر من أصحاب اليمين من غيرهم ، فيجتمع من قليل سابقي هذه الأمة ، ومن ثلة أصحاب اليمين منها من يكوّن نصف أهل الجنة ، كما في الحديث المتقدم . والخلاصة : إن مجموع هذه الأمة كثرة على من سواها ، وإن سابقي الأمم السوالف أكثر من سابقي أمتنا ، وتابعي أمتنا أكثر من تابعي الأمم . وإن كثرة سابقي الأولين ليس إلا بأنبيائهم ، فما على سابقي هذه الأمة بأس إذا كثرهم سابقو الأمم بضم الأنبياء عليهم السلام « 1 » . ثم وصف اللّه تعالى حال المقربين ، فقال : عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ، مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ أي هم في الجنة حالة كونهم على أسرّة منسوجة بخيوط الذهب ، مشبكة بالدرّ والياقوت والزبرجد ، مستقرّين على السرر ، متكئين عليها متقابلين مواجهة ، لا ينظر بعضهم قفا بعض ، فهم في بسط وسرور ، وصفاء وحبور ، لا يملّون ولا يكلون ، ولا يتخاصمون ولا يتشاحنون ، وهم مخدومون كما قال تعالى :
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي : 27 / 134